الشيخ محمد هادي معرفة

219

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

روى أبو جعفر الطبري : أنّ قريشا بعثت النضر بن الحرث وعقبة بن أبيمعيط إلى أحبار اليهود بالمدينة ، فقالوا لهم : سلوهم عن محمد ، وصفوا لهم صفته ، وأخبروهم بقوله ، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل - التوراة - وعندهم علم ما ليس عندنا ، من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألوا أحبار اليهود عن رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله ووصفوا لهم أمره وبعض قوله ، وقالا : إنّكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . فقالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهنّ ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ، ما كان من أمرهم ، فإنّه قد كان لهم حديث عجيب وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فإنّه نبيّ فاتّبعوه . . . الخ . والحديث طويل وفي نفس الوقت طريف . « 1 » وفي الإتقان جاء استثناء قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا » إلى آخر السورة « 2 » أربع آيات . « 3 » هذا . . . ولم يبيّن سند هذا الاستثناء الغريب ! ولعلّه سهو أو جزاف من الكلام ، إذ لا شئ في الآيات يصلح دليلًا على مدنيّتها ، ولاورد في تفسيرها مايتناسب ونزولها بالمدينة ! ! نعم روي في الدر المنثور عن مجاهد قال : كان من المسلمين من يقاتل وهو يحبّ أن يرى مكانه ، فأنزل اللّه « فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ . . . » . « 4 » لكن لحن الآية وفحواها لاتلتئم وذلك . . وروى الطبرسي عن ابن عباس : لمّا نزل قوله : « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » « 5 » قالت اليهود : أُوتينا التوراة وفيها علم كثير . فأنزل‌اللّه « قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ . . . » ولذلك قال الحسن : أراد بالكلمات العلم « 6 » لكن هذا لايدلّ على كونها نزلت بالمدينة كما مرّ غير مرّة !

--> ( 1 ) - جامع البيان ، ج 15 ، ص 127 وج 16 ، ص 7 ؛ والدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 210 ؛ ولباب النقول ، ج 1 ، ص 228 . ( 2 ) - الكهف 107 : 18 - 110 . ( 3 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 42 . ( 4 ) - الكهف 110 : 18 . راجع : الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 255 . ( 5 ) - الإسراء 85 : 17 . ( 6 ) - مجمع البيان ، ج 6 ، ص 499 .